ابن المقفع
162
آثار ابن المقفع
انا أغلظت في القول فلا تلمني فإنك لست تعرف ضرك من نفعك . أليس هذا مما كنت أنهاك عن سماعه لأنه كلام هذا المجرم المسئ إلينا الغادر بذمتنا ؟ ثم إنها خرجت مغضبة وذلك بعين الشعهر الذي آخاه دمنة وبسمعه ، فخرج في إثرها « 1 » مسرعا حتى أتى دمنة فحدثه بالحديث . فبينما هو عنده إذ جاء فيج « 2 » الأسد فانطلق بدمنة إلى المجمع عند القاضي . فلما مثل بين يدي القاضي استفتح سيد المجلس فقال : يا دمنة ، قد أنبأني عن خبرك الأمين الصادق ، وليس ينبغي لنا ان نفحص عن شأنك أكثر من هذا ، لأن العلماء قالوا : إن اللّه تعالى جعل الدنيا سببا إلى الآخرة ومصداقا « 3 » لها ، لأنها دار الرسل والأنبياء الدالين على الخير ، الهادين إلى الجنة ، الداعين إلى معرفة اللّه تعالى . وقد ثبت شأنك عندنا وأخبرنا عنك من وثقنا بقوله . إلا أن سيدنا أمرنا بالعود إلى أمرك والفحص عن شأنك وإن كان عنده ظاهرا بينا . قال دمنة : أراك أيها القاضي لم تتعود العدل في القضاء ، وليس في عدل الملوك دفع المظلومين ومن لا ذنب له ، إلى قاض غير عادل ، بل المخاصمة والذود « 4 » عن حقوقهم . فكيف كنت ترى ان أقتل ولم أخاصم ، وتعجل ذلك موافقة لهواك ولم تمض بعد ثلاثة أيام ؟ ولكن صدق الذي قال إن الذي تعود عمل البر هين عليه عمله وإن أضر به . قال القاضي : إنا نجد في كتب الأولين ان القاضي العدل « 5 » ينبغي له ان يعرف عمل المحسن والمسئ ليجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، فإذا ذهب إلى هذا ازداد المحسنون حرصا على الإحسان
--> ( 1 ) خرج في أثره : وراءه ، بمعنى تبعه . ( 2 ) فيج : رسول السلطان القادم على رجليه . ( 3 ) مصداقا : تحقيقا . ( 4 ) الذود : الدفاع . ( 5 ) العدل : مصدر عدل بمعنى العادل .